محمد جمال الدين القاسمي

463

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

غيره في العبادة فيسوون بينه وبين غيره في الحب والعبادة . وكذلك قوله المشركين في النار لأصنامهم تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 97 - 98 ] ؛ ومعلوم قطعا أنّ هذه التسوية لم تكن بينهم وبين اللّه في كونهم خالقيهم ، فإنهم كانوا - كما أخبر اللّه عنهم - مقرّين بأنّ اللّه تعالى وحده هو ربّهم وخالقهم ، وأنّ الأرض ومن فيها للّه وحده ، وأنه ربّ السماوات وربّ العرش العظيم ، وأنّه هو الذي بيده ملكوت كلّ شيء ، وهو يجير ولا يجار عليه . . . وإنما كانت هذه التسوية بينهم وبين اللّه تعالى في المحبّة والعبادة ؛ فمن أحبّ غير اللّه تعالى ، وخافه ، ورجاه ، وذلّ له - كما يحبّ اللّه ويخافه ويرجوه - فهذا هو الشرك الذي لا يغفره اللّه تعالى . . ! فعياذا باللّه ! من أن ينسلخ القلب من التوحيد والإسلام ، كانسلاخ الحيّة من قشرها ، وهو يظنّ أنّه مسلم موحّد . . ! وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة في بعض فتاويه : والمتّخذ إلهه هواه ، له محبّة كمحبّة المشركين لآلهتهم ، ومحبّة عبّاد العجل له ، وهذه محبّة مع اللّه لا محبّة للّه ! وهذه محبّة أهل الشرك . . ! والنفوس قد تدّعي محبّة اللّه ، وتكون في نفس الأمر محبّة شرك تحبّ ما تهواه وقد أشركته في الحب مع اللّه ! وقد يخفى الهوى على النفس ، فإنّ حبّك الشيء يعمي ويصمّ . . ! وهكذا الأعمال التي يظنّ الإنسان أنه يعملها للّه وفي نفسه شرك قد خفي عليه وهو يعلمه : إمّا لحبّ رئاسة ، وإمّا لحبّ مال ، وإمّا لحبّ صورة . . ! ولهذا قالوا « 1 » : يا رسول اللّه ! الرجل يقاتل شجاعة وحميّة ورياء ، فأيّ ذلك في سبيل اللّه ؟ قال : من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه . . ! فلمّا صار كثير من الصوفية النسّاك المتأخّرين يدّعون المحبّة - ولم يزنوها بميزان العلم والكتاب والسّنّة - دخل فيها نوع من الشرك واتّباع الأهواء . واللّه تعالى قد جعل محبّته موجبة لاتباع رسوله فقال : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] ، وهذا ، لأن الرسول هو الذي يدعو إلى ما يحبّه اللّه ، وليس شيء يحبّه اللّه إلا والرسول يدعو إليه . . ! وليس شيء يدعو إليه الرسول إلّا واللّه يحبّه . . ! فصار محبوب الربّ ومدعوّ

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : العلم ، 45 - باب من سأل ، وهو قائم ، عالما جالسا . حديث 105 . ونصه : عن أبي موسى قال : جاء رجل إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه ! ما القتال في سبيل اللّه ؟ فإن أحدنا يقاتل غضبا ويقاتل حمية . فرفع إليه رأسه ( قال : وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما ) فقال : من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا ، فهو في سبيل اللّه عز وجل .